الشيخ محمد النهاوندي
58
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وَ بما كانُوا يَعْتَدُونَ [ على ] حدود اللّه ، ويداومون على التّجاوز عنها ، من غير مبالاة ، ولا ارعواء . فإنّ الإصرار على الصّغائر مفض إلى مباشرة الكبائر ، والاستمرار على الكبائر موجب لزيغ القلب وطبعه الملازم للكفر والطّغيان ، وإليه أشار سبحانه بقوله : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 1 » وقوله : ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ « 2 » . قال بعض العرفاء : من ابتلي بترك الأدب وقع في ترك السّنن ، ومن ابتلي بترك السّنن وقع في ترك الفريضة ، ومن ابتلي بترك الفريضة وقع في استحقار الشّريعة ، ومن ابتلي بذلك وقع في الكفر « 3 » . وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال : « لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرا ممّا به البأس » « 4 » . وعنه صلّى اللّه عليه وآله في رواية : « ومن ارتكب الشّبهات وقع في المحرمات ؛ كالرّاعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه » « 5 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 113 إلى 114 ] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114 ) ثمّ أنّه تعالى - بعد ذمّ أكثر أهل الكتاب بسوء اعتقادهم وأخلاقهم وأعمالهم ، وتهديدهم على كفرهم وطغيانهم - ذكر التّباين بينهم وبين المؤمنين منهم بقوله : لَيْسُوا سَواءً في الاتّصاف بالكفر والقبائح ، ولا يكونون مشاركين ولا مشابهين فيها . ثمّ شرع في مدح من آمن منهم بالرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وبيان عدم المساواة بينهم بقوله : مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ كعبد اللّه بن سلام وأضرابه . روي أنّه لمّا أسلم هو وأصحابه قال لهم بعض كبار اليهود : لقد كفرتم وخسرتم ، فأنزل اللّه لبيان فضلهم هذه الآية « 6 » . وقيل : إنّها نزلت في أربعين من نصارى نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثلاثة من الرّوم كانوا
--> ( 1 ) . المطففين : 83 / 14 . ( 2 ) . الروم : 30 / 10 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 2 : 80 . ( 4 ) . سنن الترمذي 4 : 634 / 2451 ، تفسير روح البيان 2 : 80 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 2 : 80 . ( 6 ) . تفسير الرازي 8 : 187 .